أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

326

العقد الفريد

مائية البلغم ، فحدث لذلك ما يحدث من اللهب عند مماسّة رطوبة الماء من الاشتعال ؛ فخذ ماء الرمان فدق فيه إهليلجة « 1 » سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين ، ويسكن ذلك التوقد إن شاء اللّه . فلما كان من أمرهم ما كان ، تلطّف منكة حتى دخل الحبس ، فوجد يحيى قاعدا على لبد ، والفضل بين يديه يخدمه ، فاستعبر منكة باكيا ، وقال : كنت ناديت لو أسرعت الإجابة . قال له يحيى : أتراك كنت علمت من ذلك شيئا جهلته ؟ قال : كلا كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق « 2 » ، وكانت مزايلة القدر الخطير عنا أقل ما تنقض تنهض به التّهمة ، فقد كانت نقمة أرجو أن يكون أوّلها صبرا ، وآخرها أجرا . قال : فما تقول في هذا الداء ؟ قال : منكة : ما أرى له دواء أنفع من الصبر ، ولو كان يفدى بمال أو بمفارقة عضو كان ذلك مما يجب . لك . قال يحيى : قد شكرت لك ما ذكرت ، فإن أمكنك تعاهدنا فافعل . قال منكة : لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت به ، فإنما كانت الأيام تحسن بسلامتك . وكتب يحيى بن خالد في الحبس إلى هارون الرشيد : من يحيى في حبسه إلى الرشيد : لأمير المؤمنين ، وخليفة المهديين ، وإمام المسلمين ، وخليفة رب العالمين ، من عبد أسلمته ذنوبه ، وأوبقته « 3 » عيوبه ، وخذله شقيقه ، ورفضه صديقه ، ومال به الزمان ، ونزل به الحدثان « 4 » ، [ فحلّ في الضّيق بعد السعة ] وعالج البؤس بعد الدّعة « 5 » وافترش السخط بعد الرضا ، واكتحل السهاد بعد الهجود « 6 » ، ساعته شهر ، وليلته

--> ( 1 ) إهليلجة : ثمر منه أصفر ومنه أسود وهو اليانع النضج . ( 2 ) الشفق : الإشفاق . ( 3 ) أوبقته : أهلكته أو حبسته . أو ذللته . ( 4 ) الحدثان : نوائب الدهر . ( 5 ) الدعة : السعة في العيش . ( 6 ) الهجود : النوم .